محمد متولي الشعراوي

833

تفسير الشعراوي

فلا تؤد العمل أداء شكليا يرفع عنك العتب ، بل عليك أن تؤدى العمل بقصد الإحسان في العمل . والإحسان في كل شئ هو إتقانه إتقانا بحيث يصنع الإنسان لغيره ما يحب أن يصنعه غيره له ، ولو تعامل الناس على هذا الأساس لامتازت كل الصناعات ، لكن إذا ساد الغش فأنت تغش غيرك ، وغيرك يغشك ، وبعد ذلك كلنا نجأر بالشكوى ، وعلينا إذن أن نحسن في كل شئ : مثلا نحسن في الإنفاق ، ولن نحسن في الإنفاق إلا إذا أحسنا في الكدح الذي يأتي بثمرة ما ننفق ؛ لأن الكدح ثمرته مال ، ولا إنفاق إلا بمال ، فتخرج من عائد كدحك لتصرفه في المناسب من الأمور . ودائرة الإحسان لا تقتصر على القتال فقط ، فالأمر هنا عام ، ولا تعتقد أنه أمر في زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم جزئية من جزئيات الحياة ، إنما كل زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم كل جزئيات الحياة ، فالإحسان إذا كان بالمال فهذا يقتضى أن يحسن الإنسان الحركة في الأرض ، ويعمل عملا يكفيه ويكفى من يعول ، ثم يفيض لديه ما يحسن به . إذا لم يتوافر المال ، فعليك أن تحسن بجاهك وتشفع لغيرك ، والجاه قد قومه الإسلام أي جعل له قيمة ، فعلى صاحب الجاه أن يشفع بجاهه ليساعد أصحاب الحقوق في الحصول على حقوقهم ، وعلى الوجيه أيضا أن يأخذ الضعيف في جواره ويحميه من عسف وظلم القوى ، وعليه بجاهه أن يقيم العدل في البيئة التي يعيش فيها . والوجاهة تعنى أن يكون للإنسان احترام أو وزن أو تقدير ، وهذه الأشياء لها مسبقات في إحسان الشخص ، لا يأخذها بلا سبب ، إنما سبقها عمل جعل له وجاهة عند الناس . فالناس في العادة لا يحترمون إلا من يكون له لون من الفضل عليهم ، فكأنه احترام مدفوع الثمن ، وليس احتراما مجانيّا . وقد يكون الإحسان بالعلم . أو بفضل القوة ، بإعانة الضعيف . أو بإكساب الخبرة للآخرين . أو بتفريج كربة عن مسلم .